الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

42

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

للوصول إلى هذا الفناء . . ؟ من الواضح أن الوصول إلى هذا الاتباع المطلق أو الفناء في حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم في زمن ظهوره صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم كان مقترناً بأمرين : الأول : ما يحاول الصحابي أن يبذله في سبيل طاعة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم الطاعة الكاملة . الثاني : ما كان يفيضه حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم على صحابته من أحوال التزكية ، التي كانت تطهر نفوسهم ، وتسمو بأرواحهم إلى حالات من الشفافية ، تستشعر فيها روحانيته الشريفة ونورانيته المقدسة ، فتنجذب لروحه أرواحهم ، ولصفاته صفاتهم ، ولأفعاله أفعالهم ، فلا يعودون بعدها يحبون شيئاً في الوجود كله كحبهم له . إذاً ما يبذله الصحابي من إيمان وتسليم وطاعة للرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، وبالمقابل ما يبذله حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم لهذا الصحابي من فيوضات حبية نورانية يغمر بها كيانه ، هو ما يوصله إلى الفناء في محبته صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم . وهذا الفناء يوصله بالتالي إلى محبة اللَّه تعالى . وإذا كان الوصول إلى التحقق باتباع الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم في زمن ظهوره سهلًا على اعتبار المواجهة المباشرة ، فإن مثل هذه المواجهة باقية إلى يوم القيامة وإن كانت بصورة غير مباشرة . لقد أورث حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم أحوال التزكية وتطهير القلوب لسلسلة متصلة ، غير منفصلة ، باقية إلى يوم الدين ، من أهل اللَّه هم مشايخ الطريقة الذين يحملون لواء المحبة إلى جانب القرآن الكريم ، جيل بعد جيل إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها . وقد نص حضرته صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم على ذلك بقوله : ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ) « 1 » ، فصار السير على منهج الوارث المحمدي من أهل البيت عليه السلام ، والوفاء له ، والإخلاص في طاعته ، ومحبته هو السبيل للوصول إلى محبة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم . إن الحب وهو أسمى أرقى أنواع العلاقات في الوجود يتأتى نتيجة صفاء القلب ونقائه مما فيه من شوائب مختلفة الألوان ، وتظل العلاقة بين المحب ومحبوبه تسمو وتظهر وتتشابك لتؤدي إلى تطويع إرادة المحب تحت تصرف محبوبه ، وفي نهاية المطاف يمنح المحب أغلى ما

--> ( 1 ) سنن الترمذي ج : 5 ص : 663 .